في الثامن من آذار، اليوم العالمي للمرأة، وبينما تحتفل نساء العالم بإنجازاتهن، تخوض المرأة الفلسطينية في قطاع غزة معركة وجودية مختلفة تمامًا.
ومع دخول الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة عامها الثالث، تحولت آلاف النساء إلى "أم وأب ومعيلة" في آن واحد بعد استشهاد أزواجهن، ليصبحن العمود الفقري لأسر متفككة تعيش في خيام مؤقتة، عقب تدمير المنازل وإجبار السكان على النزوح.
وتقدم المرأة الفلسطينية نموذجًا فريدًا للنضال من أجل الحياة والبقاء؛ إذ تخوض معارك يومية لتأمين لقمة العيش لأطفالها، ورعاية الجرحى والمصابين، والحفاظ على توازنها النفسي في مواجهة ظروف قاسية، بحسب مختصين.
في خيمتها المهترئة جنوب قطاع غزة، تقول أم يسري (42 عامًا)، وهي تحاول إشعال النار لتحضير الخبز لأطفالها الأربعة، إنها لم تكن تتصور قبل عامين أن تصبح المعيلة الوحيدة لأسرتها بعد استشهاد زوجها في قصف استهدف منزلهم.
ويعاني قطاع غزة، وفق مصادر محلية، من أزمة حادة في غاز الطهي نتيجة منع إدخاله منذ بداية الحرب.
وتشير المصادر إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية سمحت بعد إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي بدخول 6 شاحنات أسبوعيًا فقط، بمعدل يتراوح بين 120 و150 طنًا في أفضل الأحوال، وهي كمية غير كافية لتلبية احتياجات السكان.
كما توقفت هذه الكميات المحدودة عن الدخول إلى القطاع عقب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط الماضي، مما زاد من معاناة السكان، خاصة النساء اللواتي اضطررن إلى استخدام الحطب بدلًا من الغاز.
وتقول أم يسري وهي تمسح دموعها: "كنت في السابق مسؤولة عن التربية فقط، أما الآن فأنا الأم والأب والمعيلة".
وتضيف: "أسير مسافات طويلة لجلب الماء، وأجمع الحطب من تحت الأنقاض، وأخبز على النار في عز البرد.. أطفالي الأربعة ينتظرون مني الحياة، وأنا أقاتل الموت كل يوم".
ويعاني القطاع أيضًا من نقص حاد في المياه نتيجة تدمير آبار المياه وشبكاتها وخزانات الشرب خلال العمليات العسكرية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.1 مليون شخص، أي قرابة نصف سكان القطاع، ما زالوا يعيشون في خيام وملاجئ مؤقتة بعد تدمير منازلهم، رغم مرور أشهر على إعلان وقف إطلاق النار.
وتعكس حالة أم يسري واقع آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي يخضن معركة يومية من أجل البقاء منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول 2023.
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد استشهد منذ بدء الحرب أكثر من 72.120 فلسطينيًا، وأصيب 171.802 آخرون، بينهم 18.592 طفلًا و12.400 امرأة.
وفي مواصي خان يونس، تقف ميرام ماضي (35 عامًا) بجانب خيمتها بعد أن تنقلت بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه أكثر من عشر مرات بسبب أوامر الإخلاء.
وتقول: "لم يكن من السهل العثور على مأوى آمن أو حتى خيمة تظلنا، واضطررت في إحدى المرات للإقامة في مخيم يفتقر لأبسط مقومات الحياة، مثل المياه والمرافق الصحية".
ميرام واحدة من أكثر من 21 ألف امرأة فلسطينية أصبحن أرامل بعد فقدان أزواجهن خلال الحرب، وهن اليوم المعيلات الوحيدات لآلاف الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما.
وتشير المصادر المحلية إلى أن واحدًا من كل سبعة منازل في غزة تعيله امرأة، مما يعكس حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق النساء في ظل الظروف الصعبة.
أما نعيمة زعرب، التي نزحت من رفح إلى مواصي خان يونس، فتستذكر أصعب اللحظات قائلة: "كنت أفتقد زوجي كثيرًا خلال العواصف وسقوط المطر. غرقت خيمتي عدة مرات بينما أطفالي نيام، وكادت الرياح أن تقتلعها وتسقطها فوق رؤوسنا".
وتؤكد سلوى طه (35 عامًا)، التي فقدت زوجها مع بداية الحرب، أنها تضطر إلى كتم خوفها أمام أطفالها الأربعة، قائلة: "أحتضنهم وأحاول أن أشعرهم بالأمان رغم الخطر الذي يحيط بنا. أخاف بطبيعتي من أصوات القصف والصواريخ، لكن بقائي وحدي مع أطفالي يدفعني للتماسك حتى لا ينهاروا".
وتضيف: "لا وقت لدينا للحزن. فقدت اثنين من إخوتي وابن أخي، لكنني أمنع نفسي من التفكير بهم حتى لا أنهار وتنهار أسرتي من حولي".
وبحسب ورقة صادرة عن وزارة شؤون المرأة الفلسطينية، تعاني 75% من النساء في قطاع غزة من الاكتئاب، و62% من الأرق، و65% من القلق المستمر.
وتوضح الورقة أن النساء في غزة يعشن "حالة من اليأس الكبير والإعياء الشديد والأمل الهش"، مشيرة إلى أن معظمهن أُجبرن على النزوح أربع مرات على الأقل، ويعشن اليوم في واقع يفتقر إلى الاستقرار والغذاء والمأوى الآمن.
وتقول سميرة زملط (40 عامًا)، التي ترعى والد زوجها الكفيف إلى جانب أطفالها الثلاثة: "أساعده على الحركة داخل الخيمة، وأرافقه إلى العيادة الصحية، وأوفر له الدواء والعلاج، إلى جانب مسؤوليتي تجاه أطفالي الثلاثة في التخفيف عنهم آثار فقدان والدهم وتأمين ما أستطيع من احتياجاتهم الأساسية".
وتضيف: "أصبحت حياتنا معقدة؛ يمضي معظم يومنا بين إشعال النار والانتظار في طوابير المياه وغسل الملابس، دون أن أجد وقتًا للراحة أو حتى للجلوس مع أطفالي الصغار".
وفا
