دفع الهجوم التركي على مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا أكثر من 70 ألف مدني إلى النزوح من منازلهم، وفق إحصائية للأمم المتحدة الخميس.

وأبدى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلقه البالغ إزاء تصاعد العنف، معتبراً أن "ما علينا القيام به في الوقت الراهن هو التأكد من نزع فتيل التصعيد".

مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن قال لوكالة فرانس برس إن حركة النزوح المستمرة منذ الأربعاء تركزت في المناطق الحدودية التي تتعرض للقصف التركي وتشهد اشتباكات، لافتاً إلى أن بلدتي رأس العين والدرباسية باتتا شبه خاليتين من السكان.

ويتوجه النازحون وفق المرصد باتجاه مدينة الحسكة وريفها.

وشاهد مراسل فرانس برس الخميس عشرات المدنيين من نساء ورجال وأطفال في سيارات وشاحنات صغيرة يفرون باتجاه الحسكة.

وبعد مرحلة أولى تخللها قصف مدفعي عنيف وغارات محدودة، أعلنت أنقرة ليل الأربعاء بدء هجومها البري ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا.

وتقول إن هدفها إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كيلومتراً، ترغب بإرسال قسم من 3.6 مليون لاجئ سوري إليها.

وحذرت 14 منظمة إنسانية وإغاثية في بيان مشترك الخميس من حدوث أزمة انسانية جديدة في شمال شرق سوريا، حيث يعيش 1.7 مليون شخص وفق الأمم المتحدة.

ونبّهت المنظمات، وبينها "كاير" و"مرسي كور" و"أوكسفام" ولجنة الإنقاذ الدولية والمجلس الدنماركي للاجئين في التقرير، من أن "ما يقدر بـ 450 ألف شخص، يقيمون في عمق خمسة كيلومترات عند الحدود السورية التركية، في خطر ما لم تمارس كل الأطراف أقصى درجات ضبط النفس وتعطي الأولوية لحماية المدنيين".

وأبدت خشيتها من أن يؤدي تصاعد وتيرة العنف إلى وقف تقديم المساعدات الإنسانية للعدد الأكبر من المدنيين.

وقالت في بيان إن "الاستجابة الإنسانية المنقذة للحياة ستصبح مهددة إذا أجبرت حالة عدم الاستقرار وكالات الإغاثة على تعليق أو تغيير مواقع موظفيها وبرامجها، وهو ما يحصل بالفعل".

"اجتماع طارئ للتحالف"

وحذرت 14 منظمة إنسانية وإغاثية في بيان مشترك الخميس من حدوث أزمة إنسانية جديدة في شمال شرق سوريا.

وتهدف أنقرة من الهجوم، الذي ندّدت به دمشق وحليفتاها طهران وموسكو، إلى إقامة "منطقة آمنة" بعمق ثلاثين كيلومتراً، تبعد عنها المقاتلين الأكراد وتعيد إليها قسماً كبيراً من 3.6 سوري لجأوا إلى أراضيها.

وهذا ثالث هجوم تشنّه تركيا مع فصائل سورية موالية لها في شمال سوريا، بعد هجوم أوّل عام 2016 سيطرت بموجبه على مدن حدودية عدّة، وثان عام 2018 سيطرت خلاله على منطقة عفرين الكردية.

وتُصنف أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية "إرهابية"، وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً ضدها منذ عقود.

بدأت العملية التركية الأربعاء بعد يومين من سحب واشنطن بين 50 و100 جندي من نقاط حدودية بقرار من ترامب، الذي تعرض لانتقادات واسعة ولاتّهامات بالتخلّي عن المقاتلين الأكراد الذين فقدوا وفق تقديراتهم 11 ألف مقاتل في المعارك ضد "تنظيم الدولة" الإرهابي، المعروف بـ "داعش".

ودعا الأكراد المتمرسون بالقتال واشنطن إلى فرض حظر جوي من شأنه أن يساعدهم في التصدي للهجوم التركي.

وأبدت دول أوروبية عدة قلقها البالغ من تداعيات الهجوم على مواصلة المعركة ضد خلايا "داعش" الإرهابي، ومن احتمال أن يُسهم في انتعاشه مجدداً مع انصراف المقاتلين الأكراد إلى مواجهة تركيا. ووجهت انتقادات لاذعة لأردوغان.

ونبّه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تركيا الخميس إلى "خطر مساعدة داعش في إعادة بناء خلافته".

ودعا وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان التحالف الدولي الى عقد اجتماع "لأننا نشهد وضعاً جديداً ولأن المعركة ضد داعش يمكن أن تُستأنف" معتبراً أن التنظيم "لا ينتظر سوى هذه الفرصة للخروج".

لكن أردوغان قال الخميس "سنفعل ما هو ضروري مع المساجين من تنظيم الدولة الإسلامية ... من يجب أن يبقوا في السجن سنبقيهم فيه، وسنرسل الآخرين إلى بلدانهم الأصلية، إذا قبلت هذه الأخيرة".

وردّ على منتقدي الهجوم قائلاً "أيها الاتحاد الأوروبي، تذكر: أقولها مجددا، إذا حاولتم تقديم عمليتنا على أنها اجتياح، فسنفتح الأبواب ونرسل لكم 3.6 مليون مهاجر" سوري.

12 ألف سجين

وأعلنت الإدارة الكردية الخميس أن القصف التركي الأربعاء طاول سجناً يقبع فيه مقاتلون أجانب من التنظيم في مدينة القامشلي، فيما ذكر المرصد أن القصف استهدف محيطه.

وتعتقل قوات سوريا الديمقراطية 12 ألف عنصر من التنظيم، وفق ما قال مسؤول هيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية عبد الكريم عمر لفرانس برس. وبين هؤلاء 2500 إلى ثلاثة آلاف أجنبي من 54 دولة.

ويتوزع هؤلاء على 7 سجون مكتظة موزعة على مدن وبلدات عدّة، بعضها عبارة عن أبنية غير مجهزة وتخضع لحراسة مشددة.

ورغم إصرارها على القتال، يرى محللون أن قوات سوريا الديمقراطية لن تتمكن من صد هجوم يمتد على مناطق حدودية واسعة خصوصاً في ظل قصف جوي يستهدفها.

ويقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد نيكولاس هيراس لفرانس برس "تركيا والفصائل السورية معها ستخرق دفاعات قوات سوريا الديمقراطية وتحدث ثغرة فيها"، لكن السؤال الأساسي بالنسبة إليه "يكمن في معرفة إلى أي مدى ستتقدم تركيا قبل أن توقفها الأطراف الدولية والإقليمية".

واعتبرت طهران أن الحل يكمن في انتشار قوات الحكومة السورية في هذه المنطقة، كما دعت روسيا إلى مفاوضات بين الأكراد ودمشق، الأمر الذي رحبت به الإدارة الكردية.

أ ف ب