كان خميس الأسرار مختلفا هذه السنة في كنيسة سان-سولبيس في باريس، إذ إنها استضافت جوقة كاتدرائية نوتردام التي باتت "لاجئة" بعد حريق الاثنين.

وفي خضم القداس أجهشت منشدة في الجوقة بالبكاء بعدما طغى عليها التأثر.

فللمرة الأولى منذ قرون، ترتل جوقة نوتردام التي ولدت مع الكاتدرائية في القرن الثاني عشر، خلال أسبوع الآلام، خارج "ديارها" كما يقول أفرادها.

عندما شارف القداس على نهايته مساء الخميس، استقبل صغار الجوقة الذين تراوح أعمارهم بين 9 سنوات و 18 سنة بالتصفيق الحار من قبل 2200 شخص كانوا داخل كنيسة سان سولبيس، وهي أكبر كنائس باريس.

وكانت هذه الجوقة رتلت الأحد في كاتدرائية نوتردام لمناسبة أحد الشعانين، وهو أمر لن يتمكنوا من فعله قبل 5 سنوات، لا بل أكثر.

الصدمة لا تزال بادية على ماري ليسيلرور البالغة 17 عاما. فخلال عزف على الأرغن، أخرجت هذه الصبية منديلا وبكت قبل أن تعانقها زميلة لها في الجوقة.

وقالت الشابة بصوتها العذب: "أنا متأثرة جدا؛ لأنني لن أتمكن من الترتيل في كاتدرائية نوتردام بعد الآن. لقد تمكنت من الترتيل هنا، لكن التأثر غلبني بعض الشيء".

وأضافت المرتلة: "نوتردام بمنزلة بيت لنا، لدينا خزانة خاصة بنا وعاداتنا، ونعرف العاملين فيها، ولدينا أماكن مفضلة فيها".

والمكان المفضل لها في الكاتدرائية هو المقاعد التي كانت مخصصة للجوقة. وقد اكتشفت الثلاثاء بهول كبير صور المكان.

وتتابع ماري قائلة "كانت سوداء، ولم نعرف إن كانت متفحمة، أو أن السخام يكسوها. لدينا ذكريات كثيرة في هذا المكان".

"نوتردام هي حياتي"

وكانت هذه الفتاة المقيمة في باريس قد أنهت للتو مباراة في البادمينتون عند الساعة 19,30 عندما تبلغت بنبأ احتراق الكاتدرائية. وتقول "فتحت هاتفي ورأيت نحو 100 رسالة تتعلق بالحريق، واتصالات من أقارب لي يسألونني إن كنت فيها".

وفي طريق عودتها إلى منزلها، رأت الدخان المتصاعد، وتابعت الحريق من شقتها في الطابق السادس. وتقول موضحة "شكل ذلك صدمة كبيرة لم استوعبها بعد".

وترتل كلير ماسيه (17 عاما) في جوقة نوتردام منذ 10 سنوات . وكانت تتوجه إليها كل يوم لمتابعة دروسا في تراتيل القرون الوسطى وتقنيات الصوت والسولفيج والمسرح.

وتتابع قائلة "لقد ترعرعت هناك. نوتردام هي أكثر من جوقة بالنسبة إلي إنها ديار لي. ولدينا تاريخ من الموسيقى يمتد لألف سنة، ويتردد صدى هذه الذكريات في كل جدار من جدرانها".

وعلى غرار ماري، ظنت كلير في البداية أن الخبر غير صحيح. وتوضح "بعد ذلك كان الأمر لا يصدق. وأدركت الثلاثاء فقط أن نوتردام هي حياتي".

وأوضحت كلير "كنت أرى الدخان يتصاعد في السماء من منزلي أشبه بدخان قنبلة ذرية، وكنت أشعر بأن منزلي الذي يشتعل". وقد انتقلت كلير مساء الاثنين إلى جوار الكاتدرائية، وبقيت هناك حتى 2 صباحا.

ماذا سيحل بأعضاء الجوقة البالغ عددهم 160 شخصا؟

أوضح هنري شاليه المسؤول عن الجوقة الرئيسية "لن تتوقف الجوقة، فنحن سفراء للكاتدرائية، ولا نزال هنا" مشيرا إلى أن التدريبات ستتواصل في مقر الجوقة في جادة سان جيرمان.

أما حفلات الجوقة المقررة خلال السنة، فستقام في كنائس مختلفة من باريس وأرجاء فرنسا.

وأكد شاليه "تلقيت مئات الدعوات من كنائس في فرنسا والخارج من كوبنهاغن إلى البندقية مرورا بإنجلترا".

وختم قائلا "هذه فرصة للتعريف بالجوقة أكثر، فنحن أحياء أكثر من أي وقت مضى".

أ ف ب