يضرب عادل الكواز بقدمه اليمنى عجلة ليبدأ عمله في صناعة الفخار وهي مهنة تمارسها عائلته منذ 200 عام جنوبي العراق، لكنه اليوم يكافح من أجل بقاء هذا التراث السومري العائد لآلاف السنين في بلاد الرافدين.
وبات لقب عائلة عادل اليوم "الكواز" نسبة لمهنة صناعة الفخار من طين خاص تستخرجه العائلة من بحر النجف، الواقع على أطراف هذه المدينة المقدسة لدى الشيعة (جنوبي بغداد).
ويقول عادل (45 عاما) لوكالة فرانس برس، إن "صناعة الجرار والفخاريات مهنة مكتسبة في عائلتنا المشهورة بها (...) كانت تدر على ممتهنيها أموالاً كثيرة ، لأنها توفر الكثير من أدوات البيت العراقي القديم".
ثلاجة وادي الرافدين
يقول الكواز إن "صناعة الجرة تبدأ من نوع خاص من الطين، ثم تجفف في الظل وتوضع بعدها في الفرن بدرجة حرارة عالية لمدة لا تقل عن 15 ساعة" .
وكانت "الجرار تستخدم لتبريد الماء، وفي الماضي البعيد كانت تستخدم لحفظ الطعام وتبريده، بوضعها على شجرة أو مكان عال"، كما أستخدمت الجرار لإدخار المصوغات الذهبية لدى العراقيين القدماء.
وهي تباع اليوم بأسعار بخسة لا تتعدى 2500 دينار (حوالى دولارين).
أجبرت الظروف العراقيين على التمسك باختراعات أسلافهم من السومريين والبابليين قبل آلاف السنين للحصول على مياه الشرب الباردة، ومن بينها الحِبْ وهي جرة كبيرة لحفظ الماء يُطلَق عليها أيضا اسم "كوز".
في سنوات الحصار القاسية، اضطر كثير من العراقيين للعودة للتراث السومري.
ويقول الكواز "بيع الحِبْ واستخدامه في زمن النظام السابق (كان) بكثرة بسبب الوضع الاقتصادي، إذ أن دخل غالب العائلات آنذاك لم يكن يسمح بشراء ثلاجة أو مجمدة لتبريد الماء".
وأضاف "كنا نبيعه في جميع المحافظات العراقية بالجملة وبأعداد تصل إلى الآلاف أسبوعيا".
أما الآن فقد تغير الوضع، فبعد العام 2003 "أصبحنا لا نبيع منه إلا القليل، 100 كوز أو 200 في الشهر" بحسب الكوّاز.
المنتجات الصينية
يعمل الكوّاز في مشغله المبني من جدران طينية وسقفه مغطى بجذوع النخيل، عند منحدر بحر النجف.
ويستذكر قائلا "كان أصحاب المشاتل في بغداد ومحافظات أخرى يأتون إلينا لشراء الآلاف من أواني الزرع، لتوضع فيها ورود وشتلات، فهي مناسبة للزراعة والبيئة وسعرها لا يتجاوز ألفي دينار" أي أقلّ من دولارين.
ويضيف "لكن أكياس البلاستيك المستورد من الصين وبأسعار زهيدة جداً باتت تنافسنا، وصار أصحاب المشاتل يستخدمونها بكثرة اليوم، وقد تخلوا عن السندان الفخاري، إلا القليل منهم".
لكن الفخاريات في العراق، أول بلد عرف الكتابة البشرية وكانت أحرفها المسمارية تنقش على ألواح طينية، تبقى مميزة وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية، بينها تنّور الطين أحد الأدوات السومرية التي ما تزال مستخدمة من عائلات عراقية كثيرة.
وتقول أم حيدر، وهي سيدة ستينية ما زالت تفضّل التنّور على الأفران الحديثة "الرغيف الذي يخبز في التنور الطيني له نكهة زكية وطعم خاص يختلف عن الذي يخبز بالأفران الكهربائية والغازية الحديثة".
وتوارثت أم حيدر صناعة الخبر في التنور عن والدتها وجدتها التي كانت تصنع التنور بنفسها، فيما هي تشتريه اليوم من متاجر خاصة.
طعم ورائحة
وعلى غرار عادل الكواز، يعمل حيدر الكعبي في صناعة الفخار بينها تنور الخبز، على منحدر عند بحر النجف.
ويقول الكعبي عن صناعة التنور "نمزج الطين مع ثمرة القصب ورمل أحمر، وصرنا في الآونة الأخيرة نمزجه بديباج الصوف الصناعي ليتماسك جيدا".
ويضيف "رغم قلة البيع واقتصار الحرفة على أفراد معدودين، إلا أننا ما زلنا نقاوم".
ويتابع قائلا "أنا متمسك بهذه الحرفة لأنها موروثة عن أبي وأجدادي.. وما زال بعض العراقيين لا يستطعمون الخبز إلا بالتنور الطيني".
ا ف ب
