يُعيد موسم الأمطار الحالي رسم مشهد الخريطة البيئية بتغيير ملامحها، لتتحول الأرض من حالة السكون إلى ورشة عمل طبيعية كبرى تروي عطش الغطاء النباتي، وتعزز صمود التنوع الحيوي.

ولا يعد التدفق المطري السخي مجرد ريٍّ للتربة، بل يشكل إعلان استقلال للنظم البيئية عن سنوات الجفاف، وبداية لتعافٍ حقيقي يُنشط السلاسل الغذائية، ويمنح مشاريع التشجير الوطنية، كمبادرة "عشرة ملايين شجرة"، الزخم اللازم لتحويل المساحات القاحلة إلى رئات خضراء تنبض بالعطاء.

ويؤكد مختصون أن هذه الموجات المطرية سجلت عودةً لافتة لأنواع نباتية نادرة كانت قد توارت لسنوات، مما يفتح آفاقاً واعدة للاقتصاد الأخضر والسياحة البيئية؛ فبعيداً عن الأثر البيئي المباشر، تُؤسس هذه الأمطار لقاعدة أمن غذائي مستدام وتوازن حيوي فريد، حيث تُستثمر خدمات النظم الطبيعية "المجانية" في دعم التنمية المحلية، وتحويل التحديات المناخية إلى فرص اقتصادية تُعزز مكانة الطبيعة كموردٍ استراتيجي لا ينضب.

وتراهن الدولة وهي تبذل جهودا كبيرة للحفاظ على التنوع الحيوي، على استراتيجيات عميقة لمواجهة التغيرات المناخية، وإدارة المحميات الطبيعية وتنفيذ برامج للحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، وحماية الغطاء النباتي المتنوع الذي يضم أكثر من 2500 نوع، إذ اعتمد الأردن استراتيجية وطنية وخطة عمل للتنوع الحيوي حتى عام 2050، وتهدف إلى استعادة وحماية 20% من النظم البيئية المتدهورة.

وفي هذا السياق، قال مساعد أمين عام وزارة المياه والري الناطق الإعلامي عمر سلامة، إن معدل الهطول المطري السنوي في المملكة يبلغ نحو 8.1 مليار متر مكعب سنوياً طويل الأمد، موضحا أنه تم تخزين ما نسبته 80% من الطاقة التخزينية في السدود الرئيسية خلال الموسم الحالي باستثناء سد الوحدة، فيما من المؤمل تحسن التخزين فيه مع نهاية الموسم وهي نسبة ممتازة في مثل هذا الوقت ومقارنة بالسنوات الماضية.

وأكد أن الموسم المطري الأخير من المواسم الممتازة، مبينا أنه سُجل حتى اليوم 72% من المعدل السنوي، مقارنةً بالعام الماضي في نفس الوقت الذي كان 12.8% فقط؛ مما سيكون له أثر على تحسين التغذية الجوفية بعد سنوات من نقص وتراجع معدلات الهطول. إضافة إلى أنه سجلت بعض المناطق نسب هطول مرتفعة؛ ففي محافظة الكرك 98% من المعدل السنوي، وفي محافظة العقبة نحو 199%، ومحافظة مأدبا نحو 91%، وعجلون نحو 69%، والزرقاء 88 بالمئة والبلقاء 71 بالمئة، بينما في محافظة معان نحو 37 بالمئة وفي محافظة جرش لم تتجاوز نسبة الهطول السنوي 38.5 بالمئة، بحسب سلامة.

وقال، إن الأردن من الدول ذات الكفاءة العالية في حصاد مياه الأمطار؛ فمساحة الأردن نحو 89 ألف كيلو متر مربع، غالبيتها أراضٍ صحراوية تشكل 92% من المساحة الكلية، ومن ثم فإن كميات الهطول فيها أقل من 200 ملم ولا يمكن حصادها بسبب ارتفاع التبخر.

وأشار إلى أن الوزارة/ سلطة وادي الأردن، وبالتعاون مع القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، ووزارة الزراعة والبيئة والجهات الأخرى، نفذت خلال السنوات الماضية أكثر من 630 سداً وحفيرة في مختلف المناطق الصحراوية بإجمالي سعة 150 مليون متر مكعب للاستفادة من أي فيضانات في هذه المناطق المملكة.

ولفت سلامة إلى وجود 16 سداً رئيسياً كبيراً بسعة 330 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى الآبار التجميعية لمياه الأمطار والبرك الزراعية والوحدات الزراعية التي قد يصل معدل التخزين النهائي فيها إلى أكثر من 100 - 150 مليون متر مكعب، وهذا يعني أنه يتم حصاد وتخزين 70 إلى 80% من كميات المياه الممكن الحصول عليها في المناطق ذات وفرة الهطول المطري الأكثر من 200 ملم، مبينا أن هناك حزمة من مشاريع الحصاد والسدود خلال الفترة المقبلة.

كما يؤكد مدير مديرية الحراج في وزارة الزراعة خالد المناصير، أن الأمطار التي شهدها هذا العام أسهمت بدور إيجابي بعد سنوات متتالية من الجفاف مرت على المملكة والمنطقة، تاركة آثاراً واضحة على أشجار الغابات تمثلت في الجفاف وانتشار الأمراض وظهور آفة الحفّار نتيجة انخفاض الرطوبة؛ مما سمح بدخول الحشرات وأدى إلى فقدان أعداد كبيرة من الأشجار الحرجية.

وأشار المناصير إلى أن الموسم المطري الحالي يُعد مبشراً، حيث بدأت المواقع التي عانت من إصابات أو جفاف تستعيد حيويتها، كما ساهمت الكميات المتساقطة من الأمطار في توفير بيئة ملائمة لعودة النباتات المفقودة والنادرة.

وأوضح أن السنوات الجافة الماضية حدت من ظهور التنوع الحيوي، لأن النباتات تحتاج إلى مناخ مناسب ورطوبة وكميات كافية من الأمطار لإكمال دورات حياتية سليمة وإنبات بذورها.

وبين أنه خلال الجولات الميدانية سُجلت عودة أنواع نباتية كانت مفقودة لعدة سنوات في مواسم مطيرة سابقة، إلا أن التذبذب في التساقط المطري يشكل عائقاً أمام استمرار هذه العودة ويؤثر على توفر البذور للمواسم المقبلة.

ولفت إلى أن الأمطار تؤثر كذلك على نجاح مشاريع التشجير والتحريج التي تنفذها الوزارة والمديرية، حيث تقلل فترات الجفاف الطويلة من فرص نجاة الشتلات المزروعة وترفع من تكاليف عمليات الصيانة والمتابعة.

وأضاف: تم تنفيذ جهود صيانة ناجحة لبعض الأنواع الشجرية الأصيلة في جنوب المملكة - مثل العرّعار والبلوط والبطم - من خلال تدخلات علمية لمقاومة الجفاف والأمراض، لكن استمرار الجفاف لفترات طويلة يبقى تهديداً قائماً لهذه الأنواع.

وتتابع وزارة الزراعة موسم الأمطار لوضع خارطة طريق لتقييم نتائج المشاريع التشجيرية واختيار مواقع مستقبلية لاستكمال عمليات التحريج ومبادرة "عشرة ملايين شجرة" التي أُطلقت قبل عامين، والتي تهدف إلى زراعة مليون شجرة سنوياً بنسب نجاح عالية.

وأكد أن التنوع الحيوي يمثل منظومة متكاملة، وأي خلل فيه - سواء في النباتات أو الحيوانات أو الطيور أو التربة - ينعكس مباشرة على صحة الغابات والنظام البيئي بأكمله، مما يجعل الحفاظ على التنوع الحيوي أمراً بالغ الأهمية.

وأشار إلى وجود شراكات فاعلة مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة والحديقة النباتية الملكية ووزارة البيئة لحماية التنوع الحيوي، كما توجد استراتيجيات معنية بالتنوع الحيوي والمراعي وقطاع الغابات.

وخلص إلى أنه من خلال مشاريع الحماية وتوفير المياه المعالجة، شهدت بعض المحميات عودة النباتات البرية والعطرية، مما يدل على أن البيئة لا تزال قادرة على التعافي، وأن المواسم المطريّة تلعب دوراً محورياً في حماية الغابات والحفاظ على التنوع الحيوي.

وتوقف الخبير البيئي مدير مركز مراقبة التنوع الحيوي في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة نشأت حميدان حيال التأثير الإيجابي للموسم المطري الحالي على صحة النظام البيئي؛ وبالتالي فائدة الإنسان، مشيرا إلى أن الهطولات المطرية في هذا الموسم تميزت بالانتظام النسبي والانتشار الجغرافي الواسع.

وأشار حميدان إلى أن الأثر البيئي لهذه الأمطار يبدأ من التربة، حيث تساهم كميات الهطول الجيدة والمتتابعة في إعادة ترطيبها بعمق، وتنشيط العمليات الفيزيائية داخلها، من تفكك الطبقات السطحية الصلبة إلى نقل المغذيات وتوزيعها.

وأضاف أن هذا الأثر الفيزيائي لا ينعكس فقط على خصوبة التربة، بل يسهم أيضًا في تنظيم المناخ المحلي، وخفض درجات الحرارة، والحد من الغبار، مما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للحياة البرية.

وأوضح أن تحسن حالة التربة، ينتقل إلى النباتات والبذار المخزنة فيها والساكنة، إذ تكسر هذه الرطوبة بتفاعلها مع مكونات التربة دورة الركود الطويلة للبذور، وخاصة في المناطق الصحراوية القاحلة التي تعتمد على الأمطار الموسمية، حيث توسع الأمطار مساحة الغطاء النباتي الحولي، والنباتات الرعوية، التي تساهم في إثراء المراعي وتخفيف الكلف عن أصحاب المواشي، كما تدعم هذه الهطولات التجدد الطبيعي للأشجار في الغابات، من خلال إنبات البذور وتحسن فرص بقاء الباذرات.

وقال، إن هذا عنصر أساسي في استدامة الغطاء النباتي، لافتا النظر إلى أنه في النظام المائي، تؤدي الهطولات الغزيرة إلى جريان الأودية وتشكل الفياضات الموسمية، وهذه الفيضانات تمثل إشارة طبيعية لبدء دورة التكاثر لدى العديد من الكائنات الحية، وعلى رأسها أسماك المياه العذبة، والبرمائيات، التي ترتبط حياتها بارتفاع منسوب المياه واتساع الموائل المائية المؤقتة؛ وهذا يتضح في معظم الأودية التي تزخر بالحياة البرية في منطقة حوض البحر الميت ووادي اليرموك ونهر الأردن.

وفي الوقت ذاته، تعمل هذه الفيضانات على تنظيم الأجسام المائية، من خلال تخفيف تراكم الملوثات، والحد من سيطرة الأنواع الدخيلة، وكأنها عملية إعادة ضبط طبيعية للنظام المائي، كما أنها تسهم في نقل المغذيات، وزيادة خصوبة التربة، ونقل البذار الشجرية وحتى العشبية من مكان إلى آخر على طول مجرى الوادي.

وقال، إن وفرة المياه تؤثر على حركة الطيور، حيث تشكل المسطحات المائية المكونة بفعل الأمطار مناطق استراحة شتوية مهمة، وأحيانًا مواقع للتكاثر كما هو الحال في قاع الأزرق مثلا؛ مما عزز التنوع الأحيائي المرتبط بالهجرة.

ولفت النظر إلى أنه في نهاية هذه السلسلة البيئية، يؤدي تحسن الغطاء النباتي وزيادة التنوع إلى ارتفاع أعداد الطرائد؛ مما يمنح المفترسات الكبيرة والحيوانات البرية عمومًا فرصًا أفضل للغذاء والتكاثر، وكذلك يسهم في استعادة قدر من التوازن الطبيعي في النظم البيئية الأردنية.

من جهته، اعتبر مدير مرصد طيور العقبة واختصاصي تغير المناخ في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة فراس الرحاحلة، أن الأمطار والطيور المهاجرة ورفاه الإنسان فرصة أردنية للنمو لا ينبغي تفويتها، لافتا النظر إلى أن الموسم المطري الحالي لا يُعيد الحياة للأرض فحسب، بل يُعيد تفعيل منظومة بيئية متكاملة تتقدمها الطيور المهاجرة.

وأشار إلى أن الامطار تجعل من الأردن محطة جذب طبيعية للطيور المهاجرة، التي تبحث عن الماء والغذاء والاستراحة؛ فكلما كانت بيئاتنا أكثر جاهزية، زادت استفادة المملكة من الخدمات البيئية الهائلة التي تقدمها هذه الطيور دون كلفة مالية.

اقتصاديًا، أكد الرحاحلة أنه لا يمكن النظر إلى الطيور المهاجرة بوصفها كائنات عابرة، بل هي قوة غير مرئية ترفع مستوى رفاه الإنسان وتدعم النمو الاقتصادي؛ فالطيور تسهم في خفض أعداد الآفات الزراعية؛ مما يقلل الاعتماد على المبيدات، ويخفض كلف الإنتاج، ويحسّن جودة الغذاء. كما تلعب دورًا محوريًا في نشر البذور وتعزيز الغطاء النباتي، وهو ما ينعكس مباشرة على استدامة القطاع الزراعي والأمن الغذائي، فيما تشير التقديرات العالمية إلى أن قيمة هذه الخدمات البيئية تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، وهي عوائد تفوق بكثير أي استثمار تقليدي في البنية التحتية.

ويكفي التذكير، بحسب الرحاحلة، بدرسٍ تاريخي بالغ الأهمية من العصر الحديث؛ حين أدى التراجع الحاد في أعداد الطيور، وعلى رأسها العصافير، في الصين خلال خمسينيات القرن الماضي إلى اختلال التوازن البيئي، وازدياد الآفات الزراعية، وكان ذلك أحد العوامل التي أسهمت في واحدة من أكبر أزمات المجاعة المسجلة، تلك التجربة أكدت أن إضعاف دور الطيور لا يضر بالطبيعة فقط، بل يفرض كلفة إنسانية واقتصادية باهظة.

وقال، إن توسع القطاع الزراعي وتعزيز البيئات النباتية الطبيعية في الأردن يمثل فرصة استراتيجية لتعظيم الاستفادة من الطيور المهاجرة، فبدل أن تتحول أجواؤنا إلى مجرد ممر سريع، يمكننا جعلها مسارًا غنيًا بالخدمات البيئية، يحفّز الطيور على التوقف والمساهمة في تحسين الإنتاج الزراعي، ودعم السياحة البيئية، وخلق فرص عمل مرتبطة بالاقتصادين الأخضر والأزرق.

وأكد أن الأمطار والسيول التي شهدتها المملكة ليست فقط نعمة مائية، بل فرصة تنموية، وفرصة لإعادة التفكير في علاقتنا مع الطيور المهاجرة، ليس كظاهرة طبيعية فحسب، بل كرافعة حقيقية لرفاه الإنسان والنمو الاقتصادي، فحين نحسن إدارة الأرض والماء والنبات، نحافظ على الطيور، وحين نحافظ على الطيور، فإننا في الحقيقة نحمي اقتصادنا، وغذاءنا، ومستقبلنا.

أما القائم بأعمال مدير بنك البذور الوطني في المركز الوطني للبحوث الزراعية خلدون عثمان الصانع، فيوضح أن هطول الأمطار عامل بيئي أساسي للتنوع الحيوي النباتي في الأردن.

وفيما يخص البذور المحفوظة في بنك البذور الوطني أوضح الصانع، أن البنك يحتوي على مجموعات متعددة من المدخلات البذرية المتخصصة تتضمن آلاف العينات من السلالات المحلية والأنواع البرية الخاصة بالغذاء والزراعة وذات الأهمية البيئية.

وقال، إن ما يميّز البذور الوطنية تكيفها مع البيئات المحلية، إذ إن السلالات المحلية الأصيلة والنباتات البرية في الأردن تطوّرت واستقرت عبر آلاف السنين في ظروف مناخية قاسية وتذبذبات في هطول الأمطار ودرجات الحرارة، لذا فهي ذات تحمّل عالي للجفاف والتأقلم مع موارد مائية محدودة مقارنة بالأنواع غير المحلية أو التجارية المستوردة، هذه التكيفات تشمل آليات إنبات متعددة، مقاومة للجفاف، وقدرة على النمو في تربة فقيرة.

وأضاف أن ما يميز البذور المحلية أنها تمتلك تراكيب وراثية وبيئية تجعلها ذات قيمة عالية مقارنة بالأنواع المستوردة أو غير المتأقلمة محليًا، مبينا أن من ميزات البذور المحلية، قيمتها الوراثية العالية وتنوعها الجيني الفريد الذي يعد مصدراً مهمًا لجينات مقاومة للأمراض، وغيره من الضغوط البيئية في برامج التحسين الوراثي، ويعد هذا التنوع ركيزة للأمن الغذائي والتطوير الزراعي في مواجهة التغير المناخي، فحفظ هذه البذور لا يعني فقط حماية النباتات نفسها، بل حفظ المعرفة المرتبطة باستخداماتها التقليدية (غذائية، دوائية، بيئية) المرتبطة بالمجتمعات المحلية.

مدير التنوع الحيوي وبنك البذور الوطني سابقاً والخبير المستشار في صون الأنواع البرية وبنوك البذور، خالد أبو ليلى، من جهته، قال: "يعتبر الغطاء النباتي الأردني عالي التنوع، حيث يضم طيفاً واسعاً من البيئات الطبيعية التي تحتضن أكثر من 2500 نوع نباتي".

وأشار إلى أن غنى الموسم المطري، كما يحدث في هذا العام، سيكون له أثر كبير على ظهور العديد من الأنواع النباتية التي كانت مخزونة لفترة طويلة في بنك بذور التربة، مما يمكنها من إكمال دورة حياتها وتجديد مخزونها البذري للسنوات القادمة.

وأكد أن وجود موسم مطري وفير يُبشر باستعادة بعض الأنواع التي غابت لفترة طويلة؛ بسبب قلة الأمطار، خاصة إذا استمرت هذه الأمطار لسنوات مقبلة.

ويُرى أثر الأمطار الغزيرة على ازدهار الأنماط النباتية الرطبة أو المائية، حيث يزيد منسوب الجداول والسيول والأنهار وروافدها. وفي هذا الصدد، أوضح أن التجمعات المائية التي تحتضن أنواعاً نباتية خاصة تعيش وتكمل دورة حياتها في تلك البيئات الرطبة.

أما من ناحية المحاصيل، فإنه يتوقع أن تتأثر المحاصيل المعتمدة على الأمطار إيجابياً بهذه الأمطار الوافرة، مما يزيد إنتاجيتها، كذلك يتوقع أن يزدهر المحيط الحيوي ليدعم وجود التنوع الحيوي المصاحب للأنظمة الزراعية، مثل الأقارب البرية (هي الأنواع النباتية البرية التي تولدت منها الأصناف الزراعية الغذائية قبل الاستئناس) وبعض الأنواع التي توجد فقط في المناطق الفلاحية.

ولاحقاً للغطاء النباتي وازدهاره من المؤكد أن تزدهر سائر طبقات سلسلة الغذاء من أنواع حيوانية عاشبة ومفترسة وحشرات وكائنات حية دقيقة، حيث إن جميعها تعتمد على وجود النبات الذي يشكل قاعدة الهرم الغذائي، بحسب أبو ليلى.

وفي تحليل بيئي، سلّط خبير المياه مازن ريان الضوء على التفاوت الكبير في معدلات الهطول المطري بين مختلف مناطق المملكة، مبينا في الوقت ذاته أهمية حصاد الامطار بواسطة السدود والحفائر وأحواض الترسيب.

وأوضح ريان أن المناطق الشمالية الغربية، التي تتمتع بأمطار غزيرة، تشهد ازدهاراً للغابات المتوسطية وتنوعاً غنياً في الأنماط النباتية والحيوانية، مما يعزز استقرار النظم البيئية، ويدعم قدرة الأرض على مواجهة التغيرات المناخية.

وفي المقابل، أشار إلى أن المناطق التي تتلقى أقل من 100 ملم سنوياً، التي تشكل أكثر من 70% من مساحة البلاد، تعاني من شح حاد في الموارد المائية وضعف في الغطاء النباتي، وهو ما يؤدي إلى تراجع التنوع الحيوي وتسارع معدلات التصحر، مما يهدد قدرة الأنواع على البقاء ويزيد من احتمالية انقراضها أو هجرتها.

وبحسب التحليل، فإن الأراضي الواقعة ضمن نطاق الأمطار المتوسطة (200–300 ملم سنوياً)، والتي لا تتجاوز 5.5% من مساحة المملكة، تمثل مناطق انتقالية حساسة، يعتمد استقرارها البيئي على انتظام الهطول المطري، حيث يمكن لأي خلل في هذا الانتظام أن يؤدي إلى اختلال التوازن بين النشاط الزراعي والغطاء الطبيعي، وبالتالي التأثير على السلاسل الغذائية والأنظمة البيئية المرتبطة بها.

وأكد ريان أن هطول الأمطار يؤثر بشكل مباشر على نمو النباتات، الذي يشكل الأساس لمعظم النظم البيئية الأرضية، إذ تُحدد أنواع الغطاء النباتي – من السهول العشبية إلى الغابات والأراضي الرطبة – بشكل رئيسي وفقاً للمناخ وأنماط الهطول.

ولفت النظر إلى أن المستويات المرتفعة من الأمطار تؤدي عادةً إلى حياة نباتية أكثر ازدهاراً وتنوعاً، مما يوفر بيئة جاذبة لأنواع متعددة من الحيوانات التي تعتمد على النباتات في الغذاء والمأوى والتكاثر، بينما يتراجع التنوع النباتي في المناطق ذات الهطول غير الكافي، مما يحد من خيارات الموائل للكائنات الأخرى.

وأشار الخبير إلى أن هطول الأمطار لا يؤثر فقط على التنوع النباتي، بل يرتبط بشكل مباشر بتنوع الحيوانات في النظام البيئي، حيث يمكن أن تؤدي الزيادة الموسمية في الهطول إلى ارتفاع في أعداد الحيوانات.

وفي سياق متصل، أوضح ريان أن الهطول المطري يلعب دوراً حاسماً في صحة التربة، مؤثراً على بنيتها ومحتواها من المغذيات، حيث يساعد في تحلل المادة العضوية وتعزيز دورة المغذيات، مما يوفر موطناً غنياً للكائنات الدقيقة الضرورية لنمو النباتات.

وحذر من أن الهطول المفرط قد يؤدي إلى تآكل التربة وفقدان خصوبتها، مما ينعكس سلباً على التنوع النباتي ويؤثر على سلسلة الغذاء بأكملها، مؤكداً أن التوازن الدقيق في الهطول المطري يبقى عاملاً أساسياً للحفاظ على صحة النظم البيئية وتنوعها الحيوي في المملكة.

وقال أستاذ هندسة البيئة والتغير المناخي في جامعة الحسين بن طلال عمر الخشمان، إن الأمطار والسيول تؤثر تأثيراً مباشراً وإيجابياً على البيئة والاقتصاد عندما تسهم في تجديد الموارد المائية وتعزيز الغطاء النباتي وتحسين خصوبة التربة وتجديد المياه الجوفية، مما يسهم في استدامة النظم البيئية والحد من التصحر.

وأكد الخشمان أن أهمية الاقتصاد الأخضر تكمن في استثمار هذه الموارد الطبيعية بكفاءة عالية عبر الحصاد المائي، وإقامة السدود والحفائر الترابية وحماية الأودية، وتطبيق حلول تحفظ البيئة والتنوع الحيوي.

وأضاف أن هذه الجهود تعزز الأمن المائي وتدعم الزراعة المستدامة وتقلل الضغط على الموارد الطبيعية، موضحاً أن الدمج بين حماية البيئة وسياسات الاقتصاد الأخضر يشكل فرصة لتحقيق التنمية المستدامة ورفع جودة الحياة، بما يتوافق مع توجهات الأردن نحو التحديث الاقتصادي وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقادر على التكيف مع التغير المناخي.

من جانبه، قال الأكاديمي في كلية السياحة والفندقة بالجامعة الأردنية فرع العقبة إبراهيم الكردي، إن السياحة البيئية تمثل أحد أهم أنماط السياحة المستدامة في الأردن؛ نظراً للتنوّع البيئي والجغرافي الذي تمتلكه المملكة، من صحارى وجبال وأودية ومناطق رطبة، إضافة إلى مواقع تراث عالمي.

وأضاف أن أهمية السياحة البيئية تكمن في قدرتها على الموازنة بين حماية الموارد الطبيعية والتراثية وتوليد دخل اقتصادي وخلق فرص عمل محلية، مما يسهم في استدامة القطاع السياحي على المدى الطويل.

وحول أثر الأمطار الأخيرة، أوضح الكردي أن الهطولات المطرية أدت إلى تحسّن الغطاء النباتي وتنشيط الأودية، وإعادة تغذية المياه الجوفية، مما زاد من جاذبية المواقع الطبيعية، وعزز من استدامة المحميات والمواقع البيئية.

وتوقف الكردي عند حالة البترا، مؤكداً أن الموقع يُدار كمحمية طبيعية ذات نظام بيئي حساس، ولا يُعتبر مجرد موقع أثري فحسب، وهو ما يتطلب إدارة متوازنة تحافظ على الموقع وتضمن سلامة الزوار أمام التغيرات المناخية.

وفيما يتعلق بموقع المغطس، وصفه الكردي بأنه نموذج للتكامل بين السياحة الدينية والبيئية لارتباطه المباشر بنهر الأردن والبيئة المحيطة، لافتاً النظر إلى أن الأمطار تحسّن الوضع البيئي للموقع، وداعيا في الوقت ذاته إلى تعزيز إدارة مسارات الزوار والبُنى التحتية عند ارتفاع منسوب المياه.

وركز على أن سياحة المغامرات هي الأكثر تأثراً بالأمطار، حيث تعزّز الهطولات المعتدلة جاذبية المسارات والأودية، بينما تزيد الأمطار الغزيرة من مستويات المخاطر، مما يستلزم جدولة مرنة للأنشطة، أنظمة إنذار مبكر، وتأهيلاً متخصصاً للمرشدين السياحيين.

وبين الكردي أن أبرز التحديات التي كشفتها الأمطار تكمن في محدودية بنى تصريف السيول، والحاجة لدمج بيانات الأرصاد الجوية في صنع القرار السياحي، إلى جانب ضرورة تطوير خطط طوارئ فعّالة في المواقع السياحية البيئية والتراثية.

ودعا إلى اعتماد مقاربة وطنية متكاملة تشمل تطوير البنية التحتية الخضراء، أنظمة حصاد المياه، تعزيز جاهزية المواقع لمواجهة السيول، وتكامل السياسات السياحية مع الإدارة البيئية والمناخية، مشدداً على أن الإدارة الاستباقية لمخاطر المناخ تشكّل أحد مفاتيح التنافسية وحماية مواقع التراث والمحميات للأجيال المقبلة.

المملكة