أنهى قرار جلالة الملك عبد الله الثاني بعدم تجديد العمل بحق المنفعة لإسرائيل في أراضي الباقورة والغمر وفق اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية حالة جدل دارت طوال السنوات الماضية، وفق وثائقي "الباقورة والغمر -تحت السيادة".

القرار الملكي شدد على أن الباقورة والغمر أراض أردنية تحت السيادة التامة، فوفقا لمعاهدة السلام ينبغي على أحد طرفي الاتفاق إعلام الطرف الآخر بعدم رغبته بتجديد الملحقين قبل عام من انقضاء المدة المحددة بمدة 25 عاما منذ أن وُقعت الاتفاقية في 26 أكتوبر 1994.

معاهدة السلام، والتي تعرف شعبيا باسم معاهدة وادي عربة، تضمنت بنودا تنظم العلاقات السياسية والدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والتعاون الأمني وتنظيم حصص المياه في الأنهار المشتركة.

كما تضمنت المعاهدة ترسيم الحدود بين الأردن وإسرائيل لأول مرة منذ الانتداب البريطاني.

وضمن الجدل الحدودي المستمر الذي تتذرع به إسرائيل على الدوام طرحت على طاولة التفاوض مسألة أراضي الباقورة والغمر.

أراضي الباقورة في الشمال والغمر في الجنوب هي أراض حدودية تقع في الجهة الغربية من المملكة، ومنذ زمن الإمارة كانت تحت السيادة الأردنية وضمن الحدود المرسومة زمن الانتداب البريطاني.

لكن على طاولة المفاوضات، طرح الإسرائيليون فكرة شرائها بدلا من إعادتها، الأمر الذي رفضه الأردن بشكل قاطع.

وتنص اتفاقية السلام في الملحق 1 (ب) على تطبيق نظام خاص على منطقة الباقورة في الأغوار الشمالية تعترف إسرائيل من خلاله بالسيادة الأردنية على هذه المنطقة، إلا أن ذلك تبع بعبارة تقول إن المنطقة فيها حقوق ملكية أراضٍ خاصة، وبالتالي يتعهد الأردن وفقًا للمعاهدة بأن "يمنح، حرية غير مقيدة للمتصرفين بالأرض بالدخول إليها والخروج منها واستعمالها".

كما يسمح الأردن "بدخول رجال الشرطة الإسرائيلية بلباسهم الرسمي، بالحد الأدنى من الشكليات، إلى المنطقة لغرض التحقيق في الجرائم أو معالجة الحوادث الأخرى المتعلقة حصرًا بالمتصرفين بالأرض أو ضيوفهم أو مستخدميهم".

ويعتبر مواطنون أن "صياغة بعض بنود الاتفاقية وملحقاتها "غامضة"، الأمر الذي فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، معتبرين أن صياغة الملحق أعلاه يضع الباقورة في وضع أقرب ما يكون للتأجير، وفي الوقت ذاته لا تعطي الأردن الحق باستعادة السيادة فور إبلاغ الجانب الإسرائيلي بإنهاء العقد.

مشروع روتنبرغ

في 5 آذار 1926، في عهد إمارة شرق الأردن منحت سلطات الانتداب البريطاني شركة الكهرباء الفلسطينية حق امتياز توليد الطاقة الكهربائية عن طريق استخدام مياه نهر الأردن، وكان الهدف من المشروع تأهيل البنية التحتية في فلسطين تشجيعا للهجرة.

وكانت الشركة التي أعطي لها الامتياز من سلطة الانتداب مملوكة لشخص يدعى بنحاس روتنبرغ أحد قادة الحركة الصهيونية البارزين.

وبموجب الامتياز بيعت 6 آلاف دونم للشركة في الأراضي المجاورة لمركز المشروع بقيمة 3 جنيهات فلسطينية للدونم الواحد.

ولم تكن طريق مشروع روتنبرغ سهلة وميسرة؛ فقد واجه المشروع معارضة شديدة في شرق الأردن على المستوى الشعبي باعتباره مقدمة للهجرة الصهيونية، لكن النقطة الفصل في هذه القضية هي غياب عقود الامتياز والبيع التي جرت بعد ذلك.

فوفقا لمؤرخين اكتشف روتنبرغ أن شركته لم تكن بحاجة إلى 6 آلاف دونم حتى يكتمل المشروع، فحاول بيع الأراضي المتبقية للوكالة اليهودية.

وبالمقابل، يصر الكثير من الباحثين على أن عقد الامتياز الممنوح كان يشترط على روتنبرغ أن لا يتم التنازل عن هذه الأراضي لأي جهة كانت، وفي حال انتقال ملكية هذه الأراضي من روتنبرغ لأي جهة كانت، تعود ملكية هذه الأرض للحكومة الأردنية.

في عام 1950 زحفت إسرائيل نحو الشرق واحتلت أراضي الباقورة فارضة عليها حكما عسكريا وضمتها بالقوة، في ذلك العام ناقش مجلس النواب الأردني الثاني قضية احتلال الباقورة.

وزير الدفاع الأردني حينها، فوزي الملقي قال إن القوات اليهودية قد دخلت الى منطقة أردنية تقع في الجهة الشمالية الغربية من سد مشروع روتنبرغ وهي أرض أردنية بموجب الحدود الرسمية والاتفاقيات الدولية.

وأضاف الملقي أنه "تم استدعاء قائد الفرقة لاش باشا إلى عمان، وأبلغتْه عزم الحكومة على دفع الاعتداء اليهودي بالقوة".

لكن الحكومة البريطانية أبلغت الأردن بأنها "ترى أن الطريق الوحيد لتسوية الحادث هو المفاوضات وليس استعمال القوة".

أملاك خاصة أشبه بالتأجير

بحسب أطلس المركز الجغرافي الأردني، تبلغ مساحة الأراضي التي احتلتها إسرائيل من هذه الأراضي الأردنية 1390 دونمًا، لكن خلال مفاوضات وادي عربة أعادت إسرائيل للأردن 560 دونما من المساحة الاجمالية.

وزعمت إسرائيل أن 830 دونما هي "أملاك إسرائيلية خاصة" ينبغي الحفاظ عليها كحقوق فردية يمتلكها إسرائيليون، وهكذا بقيت 830 دونما مع الجانب الإسرائيلي بوضع مؤقت لمدة 25 عاما.

وعلى هذه القاعدة، وُقعت الملاحق واتفق الطرفان على صيغة أشبه بالإيجار رغم أن المعاهدة لم تأت على كلمة تأجير لكن النتيجة آلت إلى نظام خاص يتعلق بالباقورة في ملحقات المعاهدة.

كان ملف رسم الحدود وتحديدها بدقة أحد أهم أركان المفاوضات التي أصر الأردن عليها.

ولأول مرة في تاريخ الصراع تثبت حدود إسرائيل الشرقية بناء على رسم الحدود الذي حدث إبان الانتداب البريطاني ونتيجة لذلك وقع تبادل للأراضي في بعض المناطق.

لكن بقيت قطعة أرض واحدة رفضت إسرائيل أن تبادلها مع أنها ضمن الحدود الأردنية هي الغمر الواقعة جنوبي وادي عربة.

أراضي الغمر

تمتد أراضي الغمر داخل الحدود الأردنية بشكل طولي يصل إلى 5 كيلومترات احتلت عقب حرب عام 1967.

ومارست إسرائيل على أراضي الغمر احتلالا عسكريا كاملا ثم حولتها إلى أهم النقاط الزراعية التي تغذي المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها إسرائيل.

وخلال مفاوضات وادي عربة تمسكت إسرائيل بأراضي الغمر باعتبارها "امتدادًا طبيعيًا" لمستوطنة "تسوفار" قرب الحدود الأردنية.

ولأن إسرائيل تتعامل مع الزراعة كأهم أداة استيطانية توسعيّة، رفضت أن تتخلى عن هذه القطعة التي تبلغ مساحتها الكلية 4000 دونم تقريبًا، تبلغ المساحة المزروعة منها ألف دونم، كما أنها تحتوي على عشرات الآبار الارتوازية.

وهكذا تمسكت إسرائيل بالأراضي لأنها امتداد للمستوطنات ولأهميتها الزراعية والمائية، ولم تبادل تلك الأرض بأي أرض في الجانب الآخر.

وأدرجت الغمر تحت "نظام خاص" بحيث ينطبق عليها ما ينطبق على الباقورة تماما حيث تعترف إسرائيل بالسيادة الأردنية عليها بالمقابل على الأردن أن يضمن "حقوق المزارعين الإسرائيليين فيها".

ومثل الباقورة، حدد النظام الخاص مدة الاستملاك ب 25 عاما يمكن وقفها قبل عام من انتهاء المعاهدة شريطة إبلاغ الأردن رغبته بذلك.

وعلى مدى 24 عاما كان الجدل يستمر حول هذه الملاحق والظروف التي أحاطت بطريقة توقيعها في ذلك الوقت.

وما أن حل 24 عاما على توقيع اتفاقية السلام، حتى أثيرت الكثير من التساؤلات في الشارع الأردني، وتحول الملف إلى قضية وطنية عامة تحظى بأولوية كبيرة، خاصة أنها اعتبرت مسألة كرامة وطنية.

وبناء على القرار الأردني سيدخل الأردن مع إسرائيل بمفاوضات قد تستمر فترة من الزمن لحسم مصير هذه الأراضي بشكل نهائي.

لكن الأهم بالنسبة للأردن اليوم أن الملحق السابق قد توقف تماما.

المملكة