قال المفكر والأكاديمي السوري برهان غليون، إنّ سوريا تعيش اليوم حالة "عودة إلى الحياة بعد موت طويل"، مؤكداً أن التحدي الحقيقي الذي يواجهها يتمثل في قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من القمع والقهر والحرب التي كادت تطيح بالدولة والمجتمع معا.

وأوضح غليون، خلال لقاء خاص مع "قناة المملكة"، أن سوريا ليست ملفا، بل تعيش مرحلة بحث عن كيفية استعادة تكوينها وتركيبها وبنائها، مشيرا إلى أن إعادة الإعمار لا تقتصر على الجانب العمراني، بل تشمل إعادة البناء النفسي والإنساني والاجتماعي، بما يسمح للسوريين بإعادة التعارف كمواطنين، وعودة الحياة العامة والنقابات والأحزاب والجمعيات، وتمكين المجتمع من التفكير والإنتاج والتطلع إلى المستقبل.

وأضاف أن إعادة البناء تشمل أيضا إعادة تركيب السلطة، وتحديد شكل الحكم وعلاقة السلطة بالشعب، وقدرتها على استيعاب تناقضات المجتمع، لافتا النظر إلى أن المعركة الأساسية اليوم هي إعادة توحيد سوريا جغرافيا وسياسيا، واستعادة الحد الأدنى من السيادة بعد أن كاد السوريون يفقدون السيطرة على بلدهم.

وحول تجربته في رئاسة المجلس الوطني السوري، قال غليون إن تلك المرحلة كانت مفصلية في محاولة تنظيم الثورة ومنحها قيادة سياسية موحدة في مواجهة نظام حوّل البلاد إلى "مزرعة"، مشيرا إلى أن المجلس نجح في مرحلة معينة في توحيد الإرادة الشعبية قبل أن تضعفه التناقضات الداخلية والتدخلات الخارجية، وما تلا ذلك من التدخل الإيراني والروسي، وتحويل الثورة إلى حرب طائفية وصراع على السلطة والموارد.

وأكد أن سوريا دخلت منذ نهاية عام 2024 مرحلة جديدة عنوانها إعادة توحيد الإرادة الشعبية والشعب السوري، بعد تشققات قومية ومناطقية، مع بروز أسئلة حاسمة حول أسس بناء سوريا الجديدة، ودستورها، وشكل السلطة، وتمثيل الطوائف والقوميات.

وشدد على أن الأولوية المطلقة هي وحدة الأرض والسيادة قبل أي نقاش حول اللامركزية، التي يجب أن تكون إدارية لا تقسيمية، وتقوم على انتخاب مجالس المحافظات ومحاسبة المسؤولين.

وفيما يتعلق بالأوضاع الراهنة، قال غليون إن ما تشهده سوريا، بما في ذلك أحداث السويداء، هو نتيجة طبيعية لحرب دمرت المجتمع من الداخل، وأدت إلى مقتل نحو مليون إنسان وتشريد نصف السكان، مؤكدا أن تجاوز الجروح والأحقاد يتطلب عملا سياسيا وفكريا، وإعادة بناء الدولة، وتحقيق العدالة، وإعادة الحقوق.

أما على صعيد التطورات في المنطقة، فأكد غليون للمملكة أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أدخلا إيران في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وكسرَا المعادلة الإقليمية السابقة، وأسقطا أسطورة التفوق الإسرائيلي، وفتحا الباب أمام تحولات إقليمية ودولية جديدة، ساهمت في تراجع نفوذ إيران وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، ضمن سياق أوسع يشهد تفكك النظام الدولي القديم وصعود عالم متعدد الأقطاب.

المملكة