اعتادت أماني على ضجيج مسؤولين وصراخهم، حيث تعمل في مصنع لحياكة الملابس شرقي الأردن، على عاملات رغبة في تسريع عملية الإنتاج.

تقول أماني، وهو اسم مستعار لـ"المملكة" إن "الصراخ يومي، ولا احترام لامرأة كبيرة أو صغيرة ... العديد من الفتيات تعرضن للصراخ والفصل"، وأكدت أن "العاملات الوافدات معرضات للصراخ أكثر من غيرهن".

تفتح حوادث وشكاوى بتعرض عاملين وعاملات لأذى وعنف نفسي، النقاش بشأن كيفية معالجة القوانين في الأردن للعنف النفسي في بيئة العمل والتعامل معه.

وترى منظمة العمل الدولية ومختصون وجود "قصور وثغرات تشريعية" وحاجة للنص بوضوح على الأذى النفسي واعتماد تعريف واضح للعنف بما فيه النفسي، والتطرق للصحة النفسية للعمال، في وقت تؤكد فيه وزارة العمل حرصها على "توفر بيئة عمل آمنة"، وقدرة العامل الذي يتعرض للإهانة للشكوى وفق قانون العمل الساري.

تُعرف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية بأنها "حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية والعمل بشكل منتج ومفيد والإسهام في مجتمعه المحلي".

ويعاني أكثر من 450 مليون شخص في العالم من اضطراب نفسي، مما يؤدي إلى خسارة في الإنتاجية تبلغ سنويا تريليون دولار أميركي، وفق منظمة الصحة.

تعمل أماني، وهي في العقد الرابع من العمر، في مرحلة الأزرار والتعليم عليهم عن طريق الماكنة، ووصفتها بأنها مرحلة سهلة مقارنة بالمراحل الأخرى، في المقابل تتعرض عاملات في مراحل أكثر صعوبة لقدر أكبر من الصياح لحاجتهن لوقت أطول للإنتاج.

ويُطلب من العاملات إنتاج 100-120 قطعة في الساعة، لكن أماني تشير لمراحل تحتاج مزيدا من الوقت للإنتاج السليم، وعند التأخر في إنتاج القطع ينطلق الصراخ، وفق أماني التي أشارت إلى أن عدد القطع المطلوب إنتاجها من إدارة المصنع كان 150 قطعة في الساعة، لكنه خُفض بعد احتجاج 60 عاملة لدى وزارة العمل.

الناطق باسم وزارة العمل محمد الزيود، أشار عبر "المملكة"، إلى عدم ورود أي شكوى للوزارة من المصنع، عدا عن إجراء الوزارة لجولات تفتيشية على المصنع، مؤكدا إمكانية تقديم الشكوى عبر منصات فيسبوك وتويتر والموقع الإلكتروني للوزارة.

"ثمة فرق تفتش على المؤسسات للتأكد من توفر بيئة عمل آمنة"، وفق الزيود، الذي قال إن "الوزارة تبحث عن السبل التي توفر بيئة عمل آمنة".

ويعمل في المصنع نحو 650 عاملة موزعات على 10 خطوط إنتاج، وفق أماني وهي أم لفتاة وشابين أكبرهم 21 عاما، وتقول إنها "تتقاضى 220 دينار شهريا".

ويعمل في قطاع الألبسة في الأردن 65026 عاملا/عاملة، 72% منهم من النساء، و76% منهم من العمالة المهاجرة، وفق منظمة العمل الدولية التي أشارت إلى أن النساء يشغلن غالبية وظائف فروع الإنتاج في مصانع تعمل خارج المناطق الصناعية.

أماني التي تمتلك شهادة الثانوية العامة وشهادة في مجال التجميل وخبرة في مجال الأزياء، قالت إنها تستقل مركبة مخصصة من المصنع لنقل العاملات وتتسع لستة أشخاص لكن المركبة تنقل 10 عاملات في الوقت ذاته، مما دفع أماني للشكوى لدى وزارة العمل.

- الأردن لم يُصادق -

لم يُصادق الأردن على الاتفاقية رقم 190، لمنظمة العمل الدولية وهي "اتفاقية العنف والتحرش، 2019"، الذي انضم إلى منظمة العمل عام 1956، وصادق الأردن على 26 اتفاقية من اتفاقيات المنظمة، منها سبع اتفاقيات من اتفاقياتها الأساسية الثمانية.

ودعت منظمة العمل الحكومة الأردنية إلى المصادقة على الاتفاقية رقم 190، وغيرها من الاتفاقيات الدولية، مع تطوير آلية وطنية لمعالجة الشكاوى والتظلمات بشأن العنف في عالم العمل، وضمان جاهزية الآليات القائمة، وقدرتها على معالجة الظاهرتين.

الاتفاقية، ذكرت أن مصطلح "العنف والتحرش" في عالم العمل يشير إلى "مجموعة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة أو التهديدات المرتبطة بها، سواء حدثت مرة واحدة أو تكررت، تهدف أو تؤدي أو يحتمل أن تؤدي إلى إلحاق ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، وتشمل العنف والتحرش على أساس نوع الجنس".

وتنطبق الاتفاقية على جميع القطاعات، الخاصة والعامة، في الاقتصاد المنظم وغير المنظم، في المناطق الحضرية أو الريفية.

المختص في قضايا العمال ورئيس بيت العمال للدراسات، حمادة أبو نجمة، طالب عبر "المملكة" بإقرار الاتفاقية في الأردن.

وتعترف الاتفاقية بأن العنف والتحرش في عالم العمل "يمكن أن يشكلا انتهاكاً لحقوق الإنسان أو إساءة لها ... وهما يهددان تكافؤ الفرص، وهما أمران غير مقبول بهما وغير متوافقين مع العمل اللائق"، ويندرج ضمن العنف الأذى النفسي وفق المنظمة.

الدستور والأذى النفسي

مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان ليندا كلش، قالت لـ "المملكة"، إن الدستور الأردني "نص على معايير أساسية لحق العمل وطالب بتشريع يحمي العامل ويحدد ساعات عمل والإجازات وخضوع المعامل للقواعد الصحية".

لكنها ترى أن الدستور "لم يتطرق إلى الصحة النفسية من قريب أو بعيد"، مشيرة إلى أن الاتفاقية 190 "عرفت جميع أشكال العنف والتحرش بما فيه النفسي".

الفقرة الثانية من المادة 23 من الدستور نصت على "تحمي الدولة العمل وتضع له تشريعاً يقوم على المبادئ الآتية"، وكان من ضمن المبادئ "خضوع المعامل للقواعد الصحية".

ويقول تحليل لمنظمة العمل بشأن تلك المادة إن "النص الدستوري لم يحصر الصحة بالصحة الجسدية فقط، لذا تُوجب المتطلبات الصحية وجود قواعد صحية جسدية ونفسية، بناء على ذلك، يمكن استخدام تشريعات العمل لإنقاذ متطلبات محددة بشأن صحة العمالة الجسدية والنفسية".

ويضيف التحليل أن "الدستور كوثيقة يحدد ضوابط عامة للقواعد والقوانين في الدولة، ولا ينظم التفاصيل، ويقع دور تنظيم العلاقات بالتفصيل على التشريعات الأدنى في الهرم التشريعي".

التحليل عُنون بـ "مدى توافق التشريعات الأردنية مع الاتفاقية بشأن العنف والتحرش في عالم العمل 2019 (رقم 190): تحليل فجوات تشريعية"، وأعدته المنظمة مع اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، والاتحاد العام لنقابات عمال الأردن.

"ثغرات" في قانون العمل

ووجد التحليل أن قانون العمل الأردني ،"يخلو من تعريف العنف والتحرش في عالم العمل أو حظرهما الشامل والصريح، إضافة إلى عدة ثغرات، بما في ذلك عدم توفير خيارات للعمالة للتصدي لحوادث العنف والتحرش في عالم العمل باستثناء خيار إنهاء العمل؛ وغياب وجود آلية مركزية لجمع البيانات والرصد والتقييم".

يرى أبو نجمة أنه "في ظل التشريع الأردني لا يستطيع من تعرض لعنف نفسي أن يقدم شكوى"، مضيفا "يوجد عمال كثر يتعرضون للتهديد، والعنف النفسي هو التأثير على الموظف من جهات أخرى".

أبو نجمة وهو أمين عام سابق لوزارة العمل طالب الحكومة باقتراح تشريع لتعديل قانون العمل لـ"حماية الموظف من العنف اللفظي والنفسي".

الزيود، يرى بدوره وجود إمكانية لأي شخص تعرض للإهانة في التقدم بشكوى والحفاظ على حقوقه حسب المادة 29 من قانون العمل، لكنه بين أن الوزارة لا تتخذ إجراء بحق صاحب العمل إلا عند التحقق من الشكوى".

وتنص المادة 29 من قانون العمل على أنه "يحق للعامل أن يترك العمل دون إشعار مع احتفاظه بحقوقه القانونية عن انتهاء الخدمة وما يترتب له من تعويضات عطل وضرر وذلك في أي من الحالات التالية، ومن ضمن الحالات "إذا ثبت بتقرير طبي صادر عن مرجع طبي أن استمراره في العمل من شأنه تهديد صحته"، و"إذا اعتدى صاحب العمل أو من يمثله عليه في أثناء العمل أو بسببه وذلك بالضرب أو التحقير أو بأي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي المعاقب عليه بموجب أحكام التشريعات النافذة المفعول".

الزيود، يؤكد عدم تلقي الوزارة منذ عام شكاوى حول الأذى، مع الإشارة إلى أن "معظم الشكاوى" تتعلق بـ "الفصل التعسفي أو إنهاء خدمات أو تأخير أجور".

لكن الزيود يرى أن عدم تلقي شكاوى "لا يمنع تقديم العامل شكوى بخصوص الأذى النفسي"، وأكد على ضرورة "التمييز بين ضغط العمل العادي والتعرض لإيذاء"، وتحدث عن زيارات مفاجئة تقوم بها وزارة العمل للتأكد من مأمونية بيئة العمل.

آلاء الناصر، التي تعمل في برنامج عمل أفضل التابع لمنظمة العمل رأت "عدم وجود وعي كافٍ لدى الموظفين لحماية أنفسهم"، وقالت لـ "المملكة" إن"السبب الشائع لعدم التوجه إلى القانون هو وصمة العار وفق دراسة أجرتها المنظمة بالشراكة وزارة العمل ووزراة الصحة عن الصحة النفسية".

"قصور تشريعي"

منظمة العمل تحدثت في تحليلها عن "قصور تشريعي" في قانون العمل، وقالت "لا يوجد في قانون العمل تعريف أو حظر واضح للعنف المرتبط بالعمل، ويجب أن يعالج القانون حوادث العنف من خلال منظور قائم على الحقوق، عدم التمييز، والصحة والسلامة المهنية".

ورأى التحليل أن المادتين (28) و (29) من قانون العمل قدما سبيلا واحدا فقط من الانتصاف في بعض أشكال العنف والتحرش في عالم العمل من خلال إنهاء العمل مقابل تعويض.

وطالب التحليل باعتراف القانون بحق الجميع في عالم عمل خال من العنف، وإدخال تعريف للعنف في عالم العمل، والاعتراف بحق الجميع في عالم خالٍ من العنف، والنص على حظر واضح وصريح لجميع أشكال العنف في عالم العمل.

ويوصي التحليل على مستوى السياسات بـ "اعتماد تعريف للعنف والتحرش في عالم العمل، والعنف والتحرش القائمين على النوع الاجتماعي كمفهوم واحد أو مفهومين منفصلين".

ويجب أن يكون التعريف متسقًا مع محتوى الاتفاقية رقم 190 بحيث يغطي "مجموعة من السلوكيات والممارسات والتهديدات المتعلقة بها سواء كانت لمرة واحدة أو متكررة والتي "تهدف أو تؤدي إلى أو من المحتمل أن تؤدي إلى أضرار جسدية ونفسية وجنسية واقتصادية"، وفق التحليل.

كلش ترى أن "قانون العمل أعطى العامل حق ترك العمل دون إشعار في حال اعتدى صاحب العمل أو من يمثله على العامل بالضرب والتحقير"، بدون التطرق بشكل صريح إلى الأذى النفسي، إلا في حالة التحقير، ولم يتم التطرق أو اقتراح تعديل يتعلق بالصحة النفسية للعمال.

"بشكل عام يكون الضغط النفسي على العامل بسبب طول ساعات العمل والضغط النفسي لإنهاء ما يطلب منه، بالإضافة إلى بعد مكان العمل والحاجة إلى قضاء وقت طويل في المواصلات ومعاملة مشرف العمل أو صاحب العمل إذا كانت فظة"، وفق كلش.

أما عبد الجواد النتشة، المحامي في منظمة العمل الدولية يؤكد لـ "المملكة"، "عدم وجود شيء يُدعى أذى نفسي في قانون العمل"، ويرى أن المادة 29 لا تكفي لوحدها.

النتشة يتوقع أن "إضافة الحماية من الأذى النفسي إلى القانون ليست سهلة"، وقال إن "قانون العمل يغطي الصحة بشكل عام، ويشمل الصحة النفسية".

ويرى التحليل أن العنف النفسي في قانون العقوبات شمل التهديد والابتزاز، ويعتبر أبونجمة أن المواد 188 و189 و190 من قانون العقوبات لوحدها لا تكفي لحماية الموظف، وتتناول تلك المواد الذم والقدح والتحقير.

"الأذى النفسي جريمة"

النتشة قال إن "الأذى النفسي جريمة والموضوع فيه نقطة قانون غير قانون العمل"، لكن إثبات وجود أذى نفسي "ليس سهلا" ويجب توافر "رابطة سببية" للإثبات و"إذا أدى الفعل إلى الجريمة تكون هناك عقوبة".

الطبيب النفسي محمد أبو حليمة وصف عبر "المملكة"، الإيذاء النفسي بأنه "قد يكون أكثر ضررا من الجسدي"، وتحدث عن "أمراض نفسية تأتي عبر الإيذاء النفسي وتتحول إلى أمراض عضوية قد تودي إلى الوفاة".

وأوضح أبو حليمة أن الأمراض النفسية لا تؤدي بالضرورة إلى أمراض عضوية لكنها قد تصل إلى أعراض عضوية، وتابع "توجد عوامل مساعدة تؤدي إلى الوفاة لكن ليست هي السبب الرئيسي".

رئيس اختصاص الطب الشرعي في وزارة الصحة محمود زريقات قال لـ "المملكة"، إن الوفيات الفجائية مصنفة قضائية وتحول إلى قسم الطب الشرعي للكشف الظاهر والتشريحي من قبل لجنة أطباء شرعيين بوجود المدعي العام المعني لتحديد سبب الوفاة المباشر.

ويوثق ذلك في تقرير مفصل موقع من قبل اللجنة والمدعي العام، مع الإشارة إلى أخذ الاطباء الشرعيين عينات من سوائل الجثة من دم وبول وعصارة المرارة ومن محتوى المعدة وعينات أنسجة لتفحص مخبريا للتحري عن وجود مواد سامة أو مخدرة أو أدوية من شأنها أن تؤدي إلى الوفاة او تساهم أو تسارع بإحداث الوفاة، وفق زريقات.

وأوضح زريقات أن تحديد مدى مساهمة الضغوط النفسية أو الانفعالات العصبية التي تزامنت مع الوفاة في إحداثها يأتي من لجنة خبراء في العلوم الطبية من كبار الاستشاريين في اختصاص الباطني أعصاب والنفسيين وأطباء في اختصاص القلب والشرايين يُكلفوا من قبل الجهة القضائية".

وتحدث زريقات عن عدم وجود إحصائيات في الطب الشرعي تفيد بأن سبب الوفاة المباشر هو الضغط النفسي، لكنه قال إن "الضغط النفسي يؤدي إلى ضرر جسدي قد يؤدي إلى الوفاة".

"خليط سام"

ويعتبر أبو حليمة أن "التهديد يندرج تحت الأذى اللفظي وقد يؤدي إلى أذى جسدي عبر تصعيد الأمور"، وقال إن "التهديد أكثر شيء يؤدي إلى القلق أو التوتر وهي من أكثر الأمراض النفسية التي تُظهر أعراضا جسدية وتؤدي إلى أمراض جسدية مثل السكري أو الجلطات أو نزيف في الدماغ".

وأوضح أن الاكتئاب والقلق العام والرهاب أو التوتر من أكثر من الأمراض الشائعة من التهديد، و"الاستمرار في القلق لمدة أكثر من شهر أو شهرين قد تؤدي إلى الاكتئاب".

وقال الطبيب النفسي إن "خليط الاكتئاب مع القلق خليط سام"، وأشار إلى أن "70% من أعراض القلق جسدية وليست نفسية، مثل التعرق والرجفة في اليدين إضافة إلى القولون العصبي والإسهال وارتفاع دقات القلب وغصة في القلب والمعدة".

وتابع الطبيب النفسي أن "القلق المزمن يعمل على ارتفاع السكري والضغط وقد يتعرض الشخص إلى جلطات وسكتات قلبية أو دماغية".

وقال أبوحليمة إن "الشخص غير المستقر نفسيا يكون عضويا غير مستقر ويكون معرضا للأمراض العضوية بشكل أكبر".

المملكة