يترقب نحو 8 آلاف في مخيم المحطة شرقي العاصمة عمّان تبعات أحكام قضائية بإخلاء أراض أقيمت عليها مبانيهم، في قضية يرون فيها تشريدا لهم وتهديدا "لأمنهم الاجتماعي"، ويراها مالكوا الأراضي استردادا لحقوقهم.

محكمة بداية شرق عمّان أصدرت أخيراً قرارات أخذ بعضها صفة قطعية بإلزام قاطنين في مخيم المحطة للاجئين الفلسطينيين بإخلاء وتسليم تلك الأراضي لورثة مالكيها خالية من الشواغل، وإزالة الأبنية والإنشاءات القائمة عليها على نفقة شاغلي العقار.

ويلزم القرار القضائي سكانا في المخيم بدفع بدل أجر المثل لمدة 3 سنوات، بعد أن ورد في دعاوى ضدهم أنهم "وضعوا أيديهم على أراض غصباً، واستمروا بالاستيلاء عليها دون سند قانوني، وأنشأوا عليها مبانٍ".

محكمة التمييز وافقت الأسبوع الماضي على تمييز قرارين استؤنفا في محكمة بداية شرق عمّان، وفقاً لـ ليث الشمايلة، محامي ورثة مالك أرض المخيم البالغة مساحتها 70 دونما.

ويقول الشمايلة لـ "المملكة" إن المحكمة قررت منح إذن تمييز لإيقاف إجراءات التنفيذ والإخلاء، "وهو أمر روتيني يهدف لإعطاء فرصة لمفاوضات". قضايا الإخلاء تشمل قطعاً في حوض (33) المدينة – المحطة، بأرقام (1173، 1172، 1168، 1167، 1166، 1165، 1164)، وفقاً للشمايلة.

مخيم المحطة، الملاصق لجبل الهاشمي الشمالي، سكن أرضه لاجئون فلسطينيون بعد نكبة فلسطين عام 1948، وأنشأوا عليها أبنية، ومحلات تجارية لا تزال قائمة حتى اليوم.

عمار الداوود، عضو مجلس أمانة عمّان الكبرى عن منطقة بسمان، التي تضم أرض مخيم المحطة، يوضح أن لجنة دفاع عن سكانه استندت في طلبها من المحكمة تمييز القرار إلى أن "الأَولى تحمل تبعات الإخلاء من قبل الدولة الأردنية، بما في ذلك أمانة عمّان، التي وطّنت الناس في تلك المنطقة، ونظمتها وأمدتهم بخدمات كهرباء ومياه".

"المخيم كل شيء في حياتي"

"أين سنذهب؟" يتساءل أحمد وصفي (35 عاماً)، أحد المطالَبين بالإخلاء.

"خسرنا الاستئناف، وننتظر قرار الإخلاء ... لا أعلم كيف سأدفع 6 آلاف دينار فرضتها المحكمة علينا كأجر المثل، ورسوم أخرى، عدا عن تكلفة الإزالة،" يقول وصفي والهَم بادٍ عليه، وهو يستدفئ على "صوبة كاز" في دكانته المتواضعة، التي أسسها والده.

قرار الإخلاء يشمل الدكان، و3 طوابق تعلوها يسكنها أفراد عائلة وصفي، المعتاشون مما يدره عليهم محل البقالة.

"الإخلاء شيء مميت. ماذا سأفعل إذا أخليت محلي؟!" يقول محمد الحبازي، الذي يملك محل منظفات يلزمه قرار المحكمة بهدمه، ودفع مبلغ 1141 دينارا.

الحبازي يخشى مستقبلا أن يجبر على إخلاء وهدم منزله.

"لا أعلم أي شيء خارج المخيم، المخيم كل شيء في حياتي، لا أستطيع الخروج منه،" يشتكي الحبازي، الذي يرى في استملاك أمانة عمّان الكبرى لأرض المخيم "الحل الأمثل للقضية".

بالنسبة للشمايلة، القضاء هو الملاذ الوحيد لموكليه.

"العلاقة مع سكان المخيم محكومة في إطار القضاء. العديد من القرارات حكَم الاستئناف بتنفيذها ... نحن في طور التنفيذ"، بحسب المحامي.

علي الجرجاوي، عضو لجنة شكلها المخيم لمتابعة مسألة الإخلاءات يقول لـ "المملكة" إن "القضية تهديد لأمنهم(السكان) الاجتماعي"، واصفاً التبعات بـ "الخطيرة".

ويعتقد الجرجاوي أن "القضية ليست مجرد اعتداء على أرض. القضية سياسية واجتماعية. سكان المخيم سكنوا الأرض نتيجة نكبة 1948".

" بركان سكاني"

أندريه حواري، عضو مجلس النواب عن الدائرة الأولى في عمّان التي تشمل منطقة المحطة، أثار القضية عدة مرات في مجلس النواب، وطالب في يوليو الماضي خلال مناقشة البيان الوزاري لحكومة عمر الرزاز بإيجاد حل لقضية المخيم. ووعد الرزاز حينها في رده على النواب بإيجاد "حل عادل لقضية أبناء مخيم المحطة"، قائلاً: "لن نسمح بأن يتم ظلمهم بأي طريقة".

"لا أرى جدية من الحكومة. الرزاز تعهد بحل تحت القبة، والحكومة مطالبة بالتعامل مع المشكلة قبل تحولها إلى كارثة (إنسانية)." يقول الحواري لـ "المملكة". "من حقي تبني مذكرة حجب ثقة؛ للحيلولة دون تفجر بركان سكاني. للمشكلة بُعد اجتماعي كبير".

وزير الدولة للشؤون القانونية، مبارك أبو يامين، زار المخيم في ديسمبر، والتقى لجنة وسكان المخيم، واعداً إياهم بحل سريع، وفقاً للنائب الحواري، الذي قال إنه رافقه في الزيارة.

ولم يتسن الحصول على تعليق من مسؤولين حكوميين.

"طرحت حلاً يتمثل باستملاك أمانة عمّان الكبرى للأرض، لتقوم بعد ذلك بفرز قطع أراض للسكان، لحفظ حق السكان ومالكي الأرض أيضاً، لكن لا تطور على الموضوع"، يبين الحواري، الذي يتولى مكتبه القانوني الدفاع عن سكان المخيم.

وكيل الدفاع عنهم، المحامي تامر أبو غنمي، يقول إنه "من المحتمل أن تؤدي عمليات إزالة بيوت مشمولة في قرار الإخلاء إلى تعريض أبنية ملاصقة لخطر الانهيار ..." مضيفا أن "الدولة ... أمانة عمّان الكبرى سمحت للسكان بالاستقرار في الأرض، وعليها تحمل مسؤولية ذلك".

وبحسب الداوود، "تنفيذ إخلاءات في المخيم سيكون صعبا جدا، إلا إذا تدخلت الدولة واستملكت الأرض"، متوقعا أن تكون قيمة الاستملاكات "عالية جداً".

حلول؟

الشمايلة يقول إنه منفتح على دراسة اقتراحات.

"إذا كان لدى الدولة حلول سندرسها ... عرضنا على الدولة حلولاً، ونقبل بتقسيط المبالغ المطلوبة، حتى لو كان هذا الحل طويل الأمد، أو الاستبدال بأرض،" يقول الشمايلة. "من الممكن أن تقوم الدولة بفرز الأرض لسكان المحطة، وتمليكها لهم، ولو بالتقسيط ... ليس هدفنا إقلاق راحة الناس ...".

ويعتبر الجرجاوي أن "حياة الناس وسكنهم وأمنهم ليس محل مفاوضات"، مطالباً ببقاء السكان في المخيم، و"إزالة الخطر الذي يهددهم". "نحن مواطنون أردنيون ندفع الضرائب، ويفترض أن تكون الحكومة طرفاً معنياً بالحل".

ولا تعترف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، إضافة إلى دائرة الشؤون الفلسطينية بمخيم المحطة.

وقال مسؤول في أونروا لـ "المملكة" إن مخيم المحطة يُعد "تجمعاً للاجئين الفلسطينيين" ولا تنطبق عليه شروط أونروا للمخيمات، وإن تسمية منطقة المحطة باسم مخيم هي تسمية شعبية لا تحمل صفة رسمية.

وأضاف المسؤول أنه لا وجود للوكالة داخل المخيم، لكن امتلاك اللاجئ لبطاقة المؤن يعطيه الحق في الحصول على خدمات أونروا بغض النظر عن مكان سكنه.

المخيم تصله خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وسكانه يدفعون ضريبة الأبنية والأراضي (المسقفات) عن العقارات التي يشغلونها، وفقاً للداوود، الذي أضاف أن شارع المخيم الرئيسي (شارع ارفيفان المجالي) منظم "تجاري مركزي" برخصة من أمانة عمّان.

المملكة